غزة تايم – العودة إلى المناورة المتلاعبة التي قامت بها شرطة لواء القدس عندما غرست بندقية في بيت أحد سكان قرية العيسوية، من أجل زيادة التوتر الدراماتيكي في المسلسل الوثائقي التلفزيوني، أثارت هذا الأسبوع انتقاداً عاماً واسعاً له مبرره الكامل. الخطوة المشكوك فيها لإنتاج يبدو ظاهرياً وكأنه توثيق لعمل الشرطة على حساب سكان محتلين، وصلت إلى نتيجة مأساوية، لكنها النتيجة الطبيعية في القصة التي كشفها نير حسون في “هآرتس”.

بعد عدة ساعات من التقرير عن الفضيحة في العيسوية، نُشر نبأ مشترك للجيش والشاباك عن كشف وسائل قتالية أخرى. نشطاء حماس من قطاع غزة وجهوا خلية إرهابية إلى الخليل من أجل تفجير عبوة ناسفة في القدس. اعتُقل أعضاء الخلية وبحوزتهم عبوة ناسفة بوزن 3 كغم. في التحقيق كشف أيضاً ما وصف بمختبر تخريبي وفيه مواد أخرى لإعداد العبوات. هذا من نوع القصص التي تمر قرب أذن مستهلك الإعلام الإسرائيلي العادي، وتحديداً في أيام التحولات السياسية. ولكن في ظروف أخرى كان من شأنها أن تغير مسيرة الصيف وتترك انطباعاً أكثر قسوة حتى من القتل الذي حدث أمس في غوش عتصيون. وحسب الشاباك، كانت العبوة جاهزة للتشغيل.

يبدو أن قيادة حماس في القطاع تواصل إدارة استراتيجية مركبة تجاه إسرائيل: في غزة يصعدون العنف بصورة مراقبة في كل مرة، بهدف الحصول على تقدم تسهيلات على الحصار ومشاريع تحسين البنى التحتية؛ وفي الضفة الغربية وشرقي القدس يواصلون التخطيط لعمليات إرهابية هدفها مزدوج: ضعضعة حكم السلطة في المدن الفلسطينية، والمس بشعور الأمن الشخصي للإسرائيليين. العمليات ذات التوجيه عن بعد من شأنها أيضاً أن تنجح أكثر من المعتاد وتجر مواجهة أكبر، لكن تبدو مهذه خاطرة تستعد حماس أن تأخذها على عاتقها مع الأخذ في الاعتبار المكسب المحتمل، كما حاولت أن تقوم بعمليات اختطاف حتى بثمن التصعيد.

اريك (هاريس) باربينغ، الذي كان رئيس منطقة القدس والضفة ورئيس قسم السايبر في الشاباك، قال للصحيفة إن الأغلبية الحاسمة من العمليات التي تعامل معها جهاز الأمن الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، تتماهى مع إرهاب “الأفراد” التي ينفذ فيها أشخاص أفراد أو خلايا محلية صغيرة عمليات طعن ودهس وأحياناً إطلاق نار من دون إشراف من أعلى أو انتماء تنظيمي.

“أمام هذا التهديد، تعلمنا بالتدريج أن نعمل بصورة أفضل”، قال. “ولكن بقي التهديد القديم التقليدي لإرهاب منظم. عدد كبير من هذه العمليات مخطط وممول من غزة، على الأغلب من قبل مطرودي صفقة شليط الذين يعملون هناك بواسطة جسم يسمى قيادة الضفة. مع إرهاب من النوع الثاني، إسرائيل تتعامل بصورة منهجية ومهنية. هي تستعين في ذلك بالسلطة الفلسطينية، لأن السلطة ترى فيه تهديداً لحكمها. وجزء من نشاط حماس موجه، وهو يعمل بشكل جيد. الجهد الكبير الذي تقوم به حماس من غزة في القدس ويهودا والسامرة ينتهي تقريباً بعدم تنفيذ عمليات.

رؤساء قيادة الضفة، وسكان الضفة الغربية في الأصل الذين تم طردهم إلى القطاع في صفقة شليط في العام 2011، يحاولون العودة وتفعيل الإرهاب الذي قادوه بأنفسهم في الماضي، في أيام اتفاقات أوسلو والانتفاضة الثانية: خلايا منظمة تبادر لتنفيذ عمليات عن طريق العبوات الناسفة، وعمليات انتحارية أو إطلاق النار على الجمهور. “كل ناشط يعمل مع المدينة أو المنطقة القروية التي جاء منها في الأصل. لأنه ما زال يعرف الناس هناك”، قال باربينغ، “أعضاء قيادة الضفة تم استيعابهم في السنوات الأخيرة في الذراع العسكري لحماس في القطاع وتعلموا من أعضائه طرق عمل جديدة، أكثر عسكرية، مثل إدارة اتصالات سرية، والتشفير، وعمل هرمي منظم أكثر. وإيران تشارك أيضاً في تقديم معلومات مهنية”.

ولكن عنق زجاجة حماس هو في المنطقة نفسها بالتحديد. “ناشطو القطاع يجدون في الضفة صعوبة في تجنيد كثير من الأشخاص الذين يوافقون على المخاطرة بالتخطيط لعمليات شديدة أو تنفيذ عمليات انتحارية”. وأضاف: “مرت المنطقة بتغييرات منذ انتهاء الانتفاضة. الناس لا يقفون في الطابور للتطوع”. قيادة الضفة تضخ أموالاً لخلايا إرهاب حماس على الأرض، لا سيما تحت غطاء منظمات المساعدة الإنسانية. التوجيهات المهنية لتركيب عبوات يتم نقلها بطرق مختلفة، من بينها عبر الإنترنت.

لا يوجد لحماس الآن، حسب معرفتنا، مهندسون للعبوات الناسفة القاتلة مثل الأشخاص الذين قادوا العمليات الصعبة حتى منتصف العقد الماضي. عبوات حماس الآن أقل إحكاماً، ويبدو أقل فتكاً. المرة الوحيدة التي نجحت فيها بصورة نسبية في السنوات الأخيرة هي خطة قتل الناشط الذي حمل العبوة في باص خط 14 في القدس في نيسان 2016، وأصيب عدد من المواطنين الإسرائيليين. بعد ذلك تبين أن هذا الناشط كان يلعب كما يبدو بجهاز التفجير ولم يكن ينوي الانتحار.

طريقة العمل التي بلورها الشاباك والجيش من أجل مواجهة الإرهاب المنظم نسبياً، سميت باسم قاس جداً هو “ماكينة قطع العشب الأخضر”، هذا الجهاز الذي يعتقل كل أسبوع في أرجاء الضفة عشرات الفلسطينيين الذين ينقلون إلى التحقيق لدى الشاباك، عدد منهم أبرياء وآخرون يتم التحقيق معهم بتهمة مخالفات بسيطة مثل المشاركة في مظاهرات فيها رشق حجارة جنود الجيش. هذه هي الطريقة المتبعة في ظل غياب استعداد متبادل للتوصل إلى اتفاق سياسي واعد في هذه الأثناء، حيث يضمن الأمان الهادئ ويمنع العودة إلى أيام عمليات الحافلات ذات المصابين الكثيرين.

حسب أقوال باربينغ: “إسرائيل تدير حرباً هجومية. لا نقف على خط الهدف وننتظر. ليس هذا صراعاً متساوي القوة. الأفضلية لدينا. من جهة أخرى، تستخدم حماس جهازاً فعالاً لفحص الأخطاء والتعلم منها. أما التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية فهو جزء من القصة. صحيح أن عباس هدد بوقف التنسيق، لكن عملياً لم يتم وقفه في العقد الأخير رغم التهديد. هم لا يأتون عن محبة، الارتباط بنا يتم من خلال اعتبارات مصلحية”.

تغيير اتجاه في الخليج

مثلما ورد، هذا الأسبوع، في “هآرتس”، بدأت تظهر شروخ حقيقية في التحالف الإقليمي الذي أملت الولايات المتحدة تشكيله من أجل دعم الصراع ضد إيران. ويمكن الحديث عن سياسة شاملة في إدارة ترامب فالرئيس الأمريكي يطرح هذه المرة خطاً واضحاً في الموضوع الإيراني. انسحب ترامب في أيار الماضي من الاتفاق النووي بعد أن هاجمه بصورة متواصلة منذ التوقيع عليه. بعد ذلك زاد باستمرار ضغط العقوبات الاقتصادية على طهران من خلال تهديد الشركات الدولية التي تاجرت معها (لذلك، فإن العديد منها اضطرت إلى وقف تعاملها معها).

حسب رؤية الرئيس، هذه الخطوة استهدفت إعادة الإيرانيين إلى المفاوضات بشروط أفضل وفرض اتفاق جديد عليهم فيه المزيد من الطلبات. في هذه الأثناء، لم تتراجع إيران، بل ترد بضغط محسوب قاس يظهر في هجمات على مصالح لصناعة النفط، وبين فينة وأخرى على ممتلكات أمريكية في الخليج. رغم أنهم، في محيط الإدارة وفي أوساط عدد من رجال الرئيس (على رأسهم مستشار الأمن القومي جون بولتون) “هناك دعم لمحاولة فرض تغيير للنظام في طهران، يمكن أن تتدهور إلى حرب، أما هذه الأثناء فلا يعد هذا هو خط الرئيس نفسه، وهو الذي امتنع علناً عن القيام برد عسكري على إسقاط إيران الطائرة الأمريكية المسيرة الثمينة.

ولكن ضبط النفس الأمريكي بالنسبة لإيران، إلى جانب التورط، كثير الضحايا وقليل الإنجازات للسعودية ودولة الإمارات في الحرب، تقود دول الخليج إلى إعادة التفكير في سياستها تجاه إيران. كان لذلك دلائل كثيرة، كما جاء في التقارير، وفيها اتفاق استثنائي وقع عليه قائد حرس الشواطئ الإماراتي مع نظيره الإيراني أثناء زيارته طهران، لكن التطور الأهم حتى الآن هو قرار دولة الإمارات تقليص (وربما وقف تام) لمشاركتها في الحرب في اليمن.

بدون دعم عسكري من الإمارات، يبدو أن تفاخر السعودية سيفشل أخيراً في هزيمة المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في حربهم ضد حكومة اليمن. ومن وجهة نظر إسرائيلية، لا تعد هذه أنباء جيدة. تواجد الحوثيين في منطقة المكلا على خط تهريب السلاح الذي تقوم به إيران في البحر الأحمر، الذي تعد حماس أحد محطاته النهائية في القطاع (قبل بضعة أسابيع قتل في اليمن فلسطيني، ناشط من حماس، ربما كان على علاقة بجهاز التهريب). الإيرانيون أيضاً يمكنهم الاستعانة بالحوثيين من أجل تهديد حرية الملاحة لسفن مدنية إسرائيلية وتهديد حركة السفن لسلاح البحرية عبر مضائق باب المندب.

تأييد إيران لجيش الحفاة والمتمردين الحوثيين أعطى نتائجه، لقد هوجمت مواقع نفط في السعودية والإمارات بواسطة طائرات مسيرة ومروحية. إطلاق صواريخ سكاد التي قدمتها إيران للحوثيين –التي يساعد في تشغيلها مدربون من حزب الله في لبنان– هدد بجدية مطارات السعودية ورموزاً أخرى للسلطة. أخيراً، النتيجة هي تخلي الإمارات عن الصراع في اليمن.

الجهود السعودية فشلت، اليمن سيبقى منقسماً وغارقاً في البؤس، والإيرانيون يمكنهم أن يسجلوا لأنفسهم إنجازاً لا بأس به. هذه بشرى سيئة للحلف المناهض لإيران، وعندما نضيف إلى ذلك الشك في المنطقة بالنسبة لخطوات ترامب، قد يكون التبلور هنا بدأ منحى سلبياً من ناحية الرئيس الأمريكي وصديقه رئيس الحكومة نتنياهو. لم تكن الخطوات ضد إيران موضوعاً بسيطاً من البداية. ويبدو الآن أنها أصبحت أكثر تعقيداً، وأكثرا شكاً في نجاحها. هذا تشاؤم بدأ يسري حتى في القدس، وإن لم تسمع أي كلمة علنية عن ذلك.

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس 9/8/2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *