غزة تايم

الأعراس في غزة… من أفراح مكتملة إلى رحلات شاقة في ظل الغلاء والحرب

الأعراس في غزة… من أفراح مكتملة إلى رحلات شاقة في ظل الغلاء والحرب
الأعراس في غزة… من أفراح مكتملة إلى رحلات شاقة في ظل الغلاء والحرب

لم تعد الأعراس في غزة كما كانت في السابق؛ فقد تغيّرت ملامحها من مناسبات نابضة بالحياة إلى محطات مثقلة بالتحديات والتكاليف، في ظل واقع اقتصادي وإنساني بالغ الصعوبة فرضته الحرب المستمرة منذ عام 2023. وبين التمسك بالعادات الاجتماعية والحد الأدنى من طقوس الفرح، يجد المقبلون على الزواج أنفسهم أمام عقبات معيشية تجعل من إتمام الزواج إنجازاً بحد ذاته.

ومنذ لحظة التفكير في الخطوبة، تبدأ رحلة المعاناة، حيث يصطدم الشبان بواقع مالي معقد، خاصة مع اعتماد المهور على الدينار الأردني، في وقت تراجعت فيه القدرة على تداوله بشكل طبيعي، ما دفع كثيرين إلى اللجوء للسوق السوداء وتحمل خسائر كبيرة عند تحويله إلى الشيكل، العملة المتداولة محلياً. وفي ظل هذا المشهد، يقف العريس حائراً بين التزاماته الاجتماعية المحددة وقدرته المحدودة على تلبيتها، في ظل انعدام مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الحياة.

ومع الانتقال إلى مرحلة تجهيز المنزل، تتضاعف التحديات، إذ تعاني الأسواق من نقص حاد في السلع وارتفاع كبير في الأسعار. فقد قفزت أسعار الأثاث، خاصة غرف النوم، من نحو 4 إلى 5 آلاف شيكل قبل الحرب، إلى ما بين 15 و20 ألف شيكل حالياً، رغم تراجع الجودة بشكل واضح نتيجة محدودية الخيارات المتاحة.

محمد سالم، شاب من حي الشيخ رضوان، يختصر هذه المعاناة قائلاً إن تكلفة غرفة النوم وحدها باتت تفوق ما كان يكفي سابقاً لتجهيز منزل كامل، مشيراً إلى أنه يفكر جدياً في تأجيل الزواج رغم رغبته في الاستقرار، بسبب الفجوة الكبيرة بين دخله المحدود والأسعار المرتفعة.

ولا تختلف الحال بالنسبة لملابس العروس ومستلزماتها، إذ ارتفعت أسعار فساتين الزفاف بشكل لافت، حيث تجاوزت تكلفة استئجار الفستان ثلاثة آلاف شيكل بعد أن كانت لا تتعدى ألف شيكل، في ظل تقلص عدد المحال المتخصصة نتيجة الدمار. كما شهدت أسعار الأحذية ومستحضرات التجميل ارتفاعاً غير مسبوق، ما أضاف أعباء جديدة على العروس وعائلتها.

أما العريس، فيواجه تحديات إضافية تتعلق بتكاليف السكن، خاصة بعد تدمير عدد كبير من المنازل. وأصبح استئجار شقة الخيار الأكثر شيوعاً، رغم ارتفاع الإيجارات إلى مستويات صادمة، حيث تجاوزت في بعض الحالات ألف دولار شهرياً، مقارنة بـ200 إلى 300 دولار قبل الحرب. وهو ما دفع البعض للتفكير في حلول قاسية، مثل السكن في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

وفي هذا السياق، يروي أحمد أبو عجوة تجربته بعد فقدان منزله، مشيراً إلى أنه اضطر للبحث عن شقة بإيجار مرتفع لا يتناسب مع دخله المتقطع، ما جعله يفكر في خيارات بديلة صعبة لضمان الاستمرار في مشروع الزواج.

ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ تمتد إلى تفاصيل يوم الزفاف نفسه، حيث ارتفعت تكاليف قاعات الأفراح بشكل كبير، بعد تدمير عدد كبير منها، لتصل تكلفة استئجار القاعة إلى نحو ثلاثة آلاف دولار، مقارنة بألف دولار قبل الحرب، مع تراجع في مستوى الخدمات. كما ارتفعت تكاليف الولائم والمواصلات نتيجة غلاء المواد الغذائية والوقود، ما جعل إقامة حفل بسيط أمراً مكلفاً بحد ذاته.

ياسر عجور، أحد الشبان المقبلين على الزواج، يؤكد أن أبسط تفاصيل الزواج باتت مرهقة مالياً، مشيراً إلى أنهم يحاولون تقليص النفقات قدر الإمكان، لكن حتى الحد الأدنى من الاحتفال أصبح يحتاج إلى ميزانية كبيرة، مضيفاً: “لا نبحث عن الرفاهية، بل نريد فقط أن نفرح كغيرنا، لكن الواقع صعب للغاية”.

في المحصلة، لم تعد الأعراس في غزة مجرد مناسبات اجتماعية، بل تحوّلت إلى اختبار قاسٍ لقدرة الشباب على التكيف مع واقع اقتصادي منهك، حيث بات الزواج مشروعاً محفوفاً بالتحديات، يعكس حجم الأزمة التي يعيشها القطاع، ويعيد تشكيل مفهوم الفرح في زمن الحرب.

Exit mobile version