تعيش أسواق قطاع غزة حالة من التراجع الحاد في توفر السلع الأساسية والتجارية، في ظل انخفاض كبير في أعداد الشاحنات الواردة، واستمرار ارتفاع الأسعار بشكل متسارع، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية لدى المواطنين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية شديدة الصعوبة بفعل الفقر والبطالة والحصار الممتد. ويأتي هذا المشهد في وقت كانت فيه الأسواق تأمل بحدٍّ أدنى من التعافي عقب اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل أن تؤدي التطورات الإقليمية اللاحقة إلى مزيد من التعقيد في الواقع الاقتصادي داخل القطاع.
ومع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، برز تأثير غير مباشر على الواقع الإنساني والاقتصادي في قطاع غزة، حيث تراجعت حركة دخول الشاحنات التجارية والإغاثية بشكل ملحوظ، ما فاقم من أزمة نقص السلع وعمّق حالة الشلل في الأسواق المحلية، في ظل اتهامات متزايدة لسياسات القيود المفروضة على المعابر واستغلال الظروف الإقليمية لتشديد الخناق على تدفق البضائع.
ويعكس هذا التراجع الحاد في الإمدادات أزمة مركبة لا تقتصر على نقص السلع فحسب، بل تمتد إلى نقص الوقود وقطع الغيار والزيوت والمواد الخام، إضافة إلى توسع نشاط السوق السوداء وارتفاع مستويات الاحتكار في بعض حلقات التوزيع، ما أدى إلى اضطراب واضح في حركة السوق وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية، في وقت يعاني فيه السكان من ضعف شديد في الدخل وتراجع فرص العمل.
وفي هذا السياق، أفادت وزارة الاقتصاد الوطني في غزة بأن المؤشرات التجارية خلال شهر مارس/آذار الماضي سجلت انخفاضاً حاداً في حجم الواردات مقارنة بالشهر الذي سبقه، موضحة أن ما دخل من بضائع خلال تلك الفترة لا يتجاوز 39% من حجم الواردات في فبراير/شباط، وهو ما انعكس بشكل مباشر على وفرة السلع واستقرار الأسعار داخل الأسواق.
ويؤكد مراقبون أن هذا التراجع في حركة الشاحنات لا يرتبط فقط بنقص الإمدادات، بل يعكس أيضاً أزمة أعمق تتعلق بآليات إدخال البضائع وتوزيعها، في ظل محدودية عدد التجار المعتمدين على إدخال السلع، ما ساهم في خلق حالة من الاحتكار ورفع تكلفة وصول البضائع إلى الأسواق قبل طرحها للمستهلكين.
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة غزة غرفة تجارة وصناعة غزة، رياض السوافيري، إن القطاع يعيش أزمة اقتصادية متراكمة منذ بداية العدوان في أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن الأوضاع التجارية لم تشهد أي تعافٍ حقيقي قبل أن تأتي التطورات الإقليمية الأخيرة لتزيد من حدة الأزمة. وأضاف أن حجم الواردات الحالية لا يتجاوز 22.5% من الكميات المفترض إدخالها وفق اتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينص على دخول نحو 600 شاحنة يومياً، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين التفاهمات والواقع الفعلي.
وأوضح السوافيري أن تقليص أعداد الشاحنات أدى إلى نقص حاد في السلع الأساسية والاستهلاكية، وفتح المجال أمام فوضى سعرية وارتفاعات متسارعة، في ظل اعتماد آلية إدخال معقدة عبر عدد محدود من التجار، ما ساهم في خلق بيئة احتكارية غير مستقرة، انعكست بشكل مباشر على أسعار السوق وقدرة المواطنين الشرائية.
بدوره، قال المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد إن الأسواق في غزة تعاني “تشوهاً اقتصادياً” واضحاً نتيجة القيود المفروضة على دخول السلع، مشيراً إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالكميات، بل أيضاً بنوعية البضائع المسموح بدخولها، ما يخلق فجوة كبيرة في العرض داخل السوق. وأضاف أن شح المساعدات يزيد من تعقيد الوضع الإنساني، في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على الدعم الإغاثي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
وحذر لبد من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى مزيد من الاضطراب في السوق المحلية، خاصة في ظل غياب المواد الخام واحتياجات الإنتاج، ما يعيق أي جهود لإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية أو بدء عمليات إعادة الإعمار، داعياً إلى ضرورة ضمان تدفق منتظم وكافٍ للبضائع دون قيود، بما يساهم في إعادة التوازن للأسواق وتخفيف حدة الأزمة المعيشية.
