غزة تايم – مع بداية الصيف، بدأ أهالي غزة يلاحظون عودة مهنة قديمة بشكل حديث، لمواجهة الحرّ الشديد، هي بيع زجاجات المياه الباردة في الشوارع بين السيارات.

عند أحد المفترقات في مدينة غزة في القطاع الفلسطيني المحاصر، يحاول الطفل براء (اسم مستعار، 13 عاماً) التخفي من كاميرا “العربي الجديد”، إذ لا يريد لأحد من زملائه في المدرسة أن يراه. يبيع زجاجات المياه الصغيرة للكبار فقط ويحاول الابتعاد عن الصغار خوفاً من احتمال أن يكونوا من زملائه.

يقول: “أستغل إجازة الصيف لهذا العام، مع شقيقيّ مؤمن ووجيه، للبيع في المفترقات وبعض الأسواق في شارع عمر المختار، فهناك كثير من المارّة الذين يشترون الماء منا. أمنح الجزء الأكبر من الأرباح لوالدي، أما الباقي فسأشتري به ملابس المدرسة والحقيبة والدفاتر”.

يعتبر بائع زجاجات الماء في غزة أنه سقّاء، أو “سقّا” كما تلفظ باللهجة المحلية، كالسقائين القدامى، الذين كانوا ينتشرون في معظم البلدان العربية في الأسواق الشعبية وفي المدن. وقد ذكر الشيخ عثمان مصطفى الطباع، ضمن موسوعة “بلادنا فلسطين” في الجزء السادس، أنّ أسواق فلسطين التاريخية في عكا ويافا والرملة والقدس، عرفت مهنة “السقّا” الذي يبيع مشروبي عرق السوس والخروب.

لكنّه أشار إلى أنّ سقائين آخرين كانوا يعبئون الطاسة النحاسية الكبيرة بالماء البارد مع الثلج، ويتجولون في ساعات الظهيرة والعصر وسط الحرّ الشديد، ويبيعون للشخص الماء حتى الارتواء، بقرش واحد فقط من الجنيه الفلسطيني القديم.

يقبل الشبان والأطفال على هذه المهنة الرائجة في الوقت الحاضر، بشكلها المستحدث، لكنّها تتعبهم إذ تتطلب منهم التجول وسط الحر، بين المارّة والسيارات، ويقبل هؤلاء على مياههم، وخصوصاً أنّها باردة وغير مكلفة.

يقول البائع الشاب مروان نور (23 عاماً) إنّ الزجاجة الباردة تغري المارّة في الحرّ. يتابع لـ”العربي الجديد”: “عملت على بسطة لبيع أكسسوارات الهواتف لكن خسرت رأسمالي الصغير، إذ يتوقف السوق طوال الأسبوع، وأنتظر يومي الخميس والجمعة لأحقق ربحاً بسيطاً أغطي به التكاليف.

وحين رأيت باعة المياه، حذوت حذوهم، واخترت مفترق فلسطين عند شارع عمر المختار لأبيع. هي مهنة مؤقتة، لكنّها أفضل من البيع على البسطة، وربحها أكبر”.

وعلى الرغم من أنّ نور لا يحب فصل الصيف بسبب الحرّ الشديد وانقطاع التيار الكهربائي في غزة 12 ساعة يومياً، وعدم توافر أجهزة تبريد في منزله، فقد أحبّ فصل الصيف هذا العام، إذ يعمل منذ أكثر من شهر في بيع زجاجات المياه. مع ذلك، لا يعرف ما الذي سيفعل في فصل الشتاء إذ سينتهي سوق هذه المهنة.

يضع “السقاؤون الجدد” صناديق (برادات) حافظة للحرارة، بالقرب من نقاط بيعهم يملؤونها بالثلج ومعه زجاجات المياه، ويضيفون الثلج إليها مجدداً كلّ نصف ساعة، وهكذا فإنّ مهنتهم تنعش كذلك مهنة أخرى وهي صناعة الثلج.

وعلى مفترق السرايا أيضاً، يقف محمد أديب (39 عاماً) ليبيع زجاجات المياه أمام موقف سيارات. يساعده ثلاثة من أبنائه.

كان أديب سبّاكاً، لكنه عاطل من العمل منذ أربع سنوات، ويحاول العمل في مواسم الأعياد في غزة عبر بسطات لبيع ملابس الأطفال والأكسسوارات، لكنّه لا يستطيع تأمين حاجة أبنائه الستة في معظم الأوقات، وهكذا امتهن بيع المياه.

يقول أديب لـ”العربي الجديد”: “دارت في ذهني مهنة السقّا، فأنا عاطل عن العمل وأردت أن أستغل فكرة جيدة كي يقبل الناس على الشراء مني، ما يمكّنني من تحقيق دخل جيد.

وهكذا، بدأت في عيد الفطر بيع الأكسسوارات كالعادة عند مفترق السرايا، وصودف أنّ ثالث أيام العيد كان شديد الحرارة، فقررت عندها شراء صندوق زجاجات مياه باردة من أحد التجار بسعر 18 شيكلاً (5.2 دولارات) وفيه 24 زجاجة، وكلّ زجاجة أبيعها بشيكل، ما يعني ربحاً صافياً من 6 شيكلات (1.70 دولار) فيه”.

يضيف: “حينها بعت أكثر من خمسة صناديق. وبينما نظر إليّ البعض باستغراب لكوني بدأت في بيع المياه إلى جانب بضاعتي، فقد اشتروا مني لأنّ الحرّ كان شديداً والمياه باردة. منذ ذلك الحين بدلت نشاطي كلياً إلى بيع المياه وبتّ أبيع مع أولادي الثلاثة”.

يشير أديب إلى أنّ كثيرين من عمال قطاع غزة الذين كانوا يعملون في الداخل الفلسطيني المحتل، وكذلك في غزة، سرحوا من أعمالهم نتيجة اشتداد الحصار الإسرائيلي على القطاع، فباتوا من العاطلين عن العمل، وباتوا مع أسرهم فقراء، وخصوصاً أنّ معظمهم المعيلون الوحيدون لتلك الأسر.

وهكذا يجدون أنفسهم في الوقت الحالي يعملون في مهن عديدة معظمها موسمي كحال بيع المياه على الطرقات، لتوفير ما يسدّ جوع أبنائهم لا أكثر.

samah Time
صحافية من غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *